الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

301

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والتأكيد ب إِنَّ واللام منظور فيه إلى حال الناس لا إلى حال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فالتأكيد واقع موقع التعريض بهم بقرينة قوله وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ . و لَكِنَّ استدراك ناشئ عن عموم الفضل منه تعالى فإن عمومه وتكرره يستحق بأن يعلمه الناس فيشكروه ولكن أكثر الناس لا يشكرون كهؤلاء الذين قالوا مَتى هذَا الْوَعْدُ [ النمل : 71 ] فإنهم يستعجلون العذاب تهكما وتعجيزا في زعمهم غير قادرين قدر نعمة الإمهال . [ 74 ] [ سورة النمل ( 27 ) : آية 74 ] وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ ( 74 ) موقع هذا موقع الاستئناف البياني لأن قوله وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ [ النمل : 73 ] يثير سؤالا في نفوس المؤمنين أن يقولوا : إن هؤلاء المكذبين قد أضمروا المكر وأعلنوا الاستهزاء فحالهم لا يقتضي إمهالهم ؟ فيجاب بأن الذي أمهلهم مطلع على ما في صدورهم وما أعلنوه وأنه أمهلهم مع علمه بهم لحكمة يعلمها . وفيه إشارة إلى أنهم يكنون أشياء للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وللمؤمنين ، منها : أنهم يتربصون بهم الدوائر ، وأنهم تخامر نفوسهم خواطر إخراجه وإخراج المؤمنين . وهذا الاستئناف لما كان ذا جهة من معنى وصف اللّه بإحاطة العلم عطفت جملته على جملة وصف اللّه بالفضل ، فحصل بالعطف غرض ثان منهم ، وحصل معنى الاستئناف البياني من مضمون الجملة . وأما التوكيد ب إِنَّ فهو على نحو توكيد الجملة التي قبله . ولك أن تجعله لتنزيل السائل منزلة المتردد وذلك تلويح بالعتاب . و تُكِنُّ تخفي وهو من ( أكن ) إذا جعل شيئا كانّا ، أي حاصلا في كن . والكنّ : المسكن . وإسناد تُكِنُّ إلى الصدور مجاز عقلي باعتبار أن الصدور مكانه . والإعلان : الإظهار . [ 75 ] [ سورة النمل ( 27 ) : آية 75 ] وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 75 ) عطف على جملة وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ [ النمل : 74 ] . وهو في معنى التذييل للجملة المذكورة لأنها ذكر منها علم اللّه بضمائرهم فذيل ذلك بأن اللّه يعلم كل غائبة في السماء والأرض . وإنما جاء معطوفا لأنه جدير بالاستقلال بذاته من حيث إنه تعليم لصفة علم اللّه